عقلٌ يحمي، وعقلٌ يقيّد
حين يطرق الألم بابي، يقف عقلي بيني وبينه، درعًا منطقيةً، تحاول أن تخفف من حدته، تحاول أن تجعلني أراه بعينٍ أخرى. يقول لي: هذا الألم ليس دائمًا، إنه مجرد محطة. ويبدأ في إعادة تشكيله، كمن يعيد رسم لوحةٍ قاتمة ليضيف إليها نورًا في الزاوية.
أحيانًا، ينكر عقلي الألم، يخفيه في زوايا الوعي، يضعه في صندوقٍ مغلق، حتى لا ينهار قلبي تحت ثقله. يهمس لي: ليس الوقت مناسبًا للبكاء، ليس الآن. لكنه يعلم أنني سأعود، في وقتٍ آخر، لأفتح الصندوق وأواجه ما بداخله.
وأحيانًا، حين يصبح الألم أكبر مني، يطلق عقلي دفاعاته:
يبرر، يسقط، ينسج لي قصصًا تجعلني أصدّق أن ما حدث كان حتميًا، أنه كان جزءًا من رحلتي. يحوّل الألم إلى إبداع، إلى كلماتٍ على الورق، إلى خطواتٍ جديدةٍ في طريقي.
وفي لحظاتٍ أخرى، يقرر أن يخفف عني بطريقته الكيميائية، يطلق الإندورفين، تلك المسكنات الداخلية التي تجعلني أبتسم رغم كل شيء. كأن يقول لي: استمري، لم ينتهِ الطريق بعد.
لكن عقلي، ذلك الحامي المخلص، قد يصبح أيضًا قيدي.
حين يعيد لي الذكرى مرارًا وتكرارًا، يجعلني أعيش الألم وكأنه لم يرحل، وحين يزرع في قلبي الخوف من تكراره، حتى وأنا في قلب الأمان.
لذا، أتعلم كيف أخاطب عقلي، كيف أطلب منه الحماية دون أن يسجنني في دائرةٍ لا تنتهي.
أخبره أنني أريد أن أرى الألم من زاوية التعلم، لا من زاوية العجز.
أذكره أنني لستُ مجرد أفكارٍ متكررة، بل روحٌ تتجاوز، تنمو، تتحرر.
عقلي حارس بوابتي، لكنني أنا من يختار الطريق.
أنا من يقرر كيف أعيش الألم، وكيف أتجاوزه،
أنا من يختار أن أرى النور، حتى عندما يكون الظلام كثيفًا.
أنا من يختار النور
ليس الألم من يحدد ملامحي، ولا الذكريات من تكتب مستقبلي،
أنا من يقرر كيف أراه، كيف أعيشه، وكيف أتجاوزه.
أنا من يقرر أن أجعل من الألم نافذةً لا جدارًا،
أن أجعله طريقًا لا متاهة،
أن أتعامل معه كمعلمٍ، لا كجلّادٍ يطاردني في أحلامي.
أدرك الآن أن عقلي ليس عدوي، لكنه ليس حريتي أيضًا،
إنه أداتي، صديقي، ورفيقي في الرحلة،
إنه من يهديني مفاتيح الفهم، لكنه لا يجب أن يغلق الأبواب عليّ.
فأنا من يقرر أي الأبواب أفتح، وأيها أترك مغلقًا للأبد.
أخاطب عقلي برفق،
أخبره أنني لم أعد أريد أن أعيش في ظل الخوف،
أنني لن أدع الألم يعيد نفسه داخلي كل يومٍ،
وأنني أختار الوعي بدلًا من الإنكار،
أختار الحكمة بدلًا من الاجترار،
أختار التحرر بدلًا من القيود التي صنعها لي، معتقدًا أنه يحمي.
فإذا عاد الألم، سأحييه كما يُحيّى ضيفٌ عابر،
سأسمح له بأن يقول ما لديه، لكنني لن أسمح له بالبقاء،
لن أدعه يستوطن زوايا روحي،
لأنني اخترت أن أكون أكبر من ألمي، وأعمق من جراحي، وأكثر حرية من مخاوفي.
أنا لست الألم… أنا الرحلة التي تعبره وتمضي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق